أبو الليث السمرقندي
571
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال قتادة ومجاهد : يتبعهم الشياطين . وقال في رواية الكلبي : الغاوون هم الرواة الذين كانوا يروون هجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه . ويقال : الْغاوُونَ هم الضالون . ويقال : شعراء الكفار كانوا يهجون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيتبعهم الكفار . ثم قال عز وجل : أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ يعني : في كل وجه وفن يذهبون ويخوضون ، يأخذون مرة يذمون ، ومرة يمدحون ، وذكر عن القتبي أنه قال : فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ من القول ، وفي كل مذهب يذهبون كما تذهب البهائم على وجهها . وقال غيره : هام الرجل والبعير ، إذا مضى على وجهه ، لا يدري أن يذهب ، فكذلك الشاعر يأخذ كلامه لا يدري أين ينتهي . قرأ نافع وحده يَتَّبِعُهُمُ بجزم التاء ، والتخفيف ، وقرأ الباقون يَتَّبِعُهُمُ بنصب التاء والتشديد ، وهما بمعنى واحد : يتبعهم ، ويتبعهم . ثم قال : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ يعني : أن الشعراء يقولون قد فعلنا كذا وكذا ، وقلنا كذا ، فيمدحون بذلك أنفسهم وهم كذبة . ثم استثنى شعراء المسلمين حسان بن ثابت ، وعبد اللّه بن رواحة ، وكعب بن مالك رضي اللّه عنهم ، فقال عز وجل : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً يعني : ذكروا اللّه في أشعارهم . ويقال : وذكروا اللّه عز وجل في الأحوال كلها وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا يعني : انتصر شعراء المسلمين من شعراء الكافرين ، فكافؤوهم والبادئ أظلم . ويقال : انتصروا من أهل مكة من بعد ما أخرجوا ، لأن الحرب تكون بالسيف وباللسان ، فأذن القتال بالشعر ، كما أذن بالسيف ، إذ فيه قهرهم . ثم أوعد شعراء الكافرين فقال تعالى : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني : الذين هجوا المسلمين أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ يعني : أي مرجع يرجعون إليه في الآخرة ، يعني : إلى الخسران والنار . ويقال : هاتان الآيتان مدنيتان ، وذكر أنه لما نزل وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ جاء عبد اللّه بن رواحة ، وحسان بن ثابت ، وهما يبكيان فقرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَالشُّعَراءُ إلى قوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فقال : عليه السلام « هذا أنتم » وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أنتم . وروي عن عكرمة قال عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ من الشّعر لحكمة ، وإنّ من الشّعراء لحكماء » « 1 » وفي رواية أخرى : « إنّ من الشعر لحكما وإنّ من البيان لسحرا » واللّه سبحانه وتعالى أعلم - وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلّم « 2 » .
--> ( 1 ) حديث ابن عباس : « إنّ من الشعر لحكمة » أخرجه الترمذي ( 2845 ) وأبو داود ( 5011 ) وابن ماجة ( 3756 ) وأحمد 1 / 269 ، 272 . وحديث أبي بن كعب عند أحمد 5 / 125 والبخاري ( 6145 ) وحديث ابن عباس « إن من البيان سحرا وإنّ من الشعر حكما ، عند الترمذي ( 2845 ) والطيالسي ( 2670 ) وأحمد 1 / 303 ، 309 . ( 2 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « أ » .